ابن كثير

230

البداية والنهاية

ظلها ، فسويته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشت له فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع ، ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا من الطلب فإذا أنا براعي غنم ، فقلت لمن أنت يا غلام ؟ فقال لرجل من قريش - فسماه فعرفته - فقلت هل في غنمك من لبن ؟ قال نعم ! قلت هل أنت حالب لي ؟ قال نعم ! فأمرته فاعتقل شاة منها ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار ، ثم أمرته فنفض كفيه من الغبار ، ومعي إداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة ( 1 ) من اللبن فصببت على القدح حتى برد أسفله ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيته وقد استيقظ ، فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت ، ثم قلت هل آن الرحيل ؟ فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له ، فقلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا ؟ قال : " لا تحزن إن الله معنا " حتى إذا دنا منا فكان بيننا وبينه قدر رمح - أو رمحين أو قال رمحين أو ثلاثة - قلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا ؟ وبكيت ، قال لم تبكي ؟ [ قلت ] أما والله ما على نفسي أبكي ، ولكن أبكي عليك . فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " اللهم اكفناه بما شئت " فسلخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها وقال : يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه ، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب ، وهذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمر بابلي وغنمي بموضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا حاجة لي فيها " ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق ورجع إلى أصحابه ، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى قدمنا المدينة [ ليلا ] ( 2 ) وتلقاه الناس فخرجوا في الطرق على الأناجير ( 3 ) واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون : الله أكبر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جاء محمد ، قال وتنازع القوم أيهم ينزل عليه ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك " فلما أصبح غدا حيث أمر . قال البراء : أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار ، ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الأعمى أحد بني فهر ، ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرين راكبا ، فقلنا ما فعل رسول الله ؟ قال هو على أثري ، ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه . قال البراء : ولم يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قرأت سورا من المفصل ( 4 ) أخرجاه في الصحيحين

--> ( 1 ) الكثبة : كل قليل جمعته من طعام أو لبن أو غير ذلك ، والجمع كتب ( أنظر النهاية ) . ( 2 ) من دلائل البيهقي . ( 3 ) الأناجير : في النهاية الأناجير والأجاجير : يعني السطوح . ( 4 ) أخرجه أحمد في مسنده 1 / 2 - 3 ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ 1 / 239 والبيهقي 2 / 483 و 503 و 504 وعنهم الصالحي في السيرة الشامية 3 / 345 والبخاري في 63 كتاب 45 باب ح 24 - 39 وفي 66 كتاب 6 باب فتح الباري 7 / 7 و 7 / 259 ومسلم في 53 كتاب الزهد 19 باب 4 / 2310 ح 75 . وأشار المزي في تحفة الاشراف 2 / 55 أن النسائي أخرجه في سننه عن إسماعيل بن مسعود ، عن خالد .